محمد حسين هيكل
212
حياة محمد ( ص )
وأصحابه : خرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان في أربعة آلاف مجند وثلاثمائة جواد وخمسمائة وألف ممتط بعيره . وعقد اللواء في دار الندوة لعثمان بن طلحة الذي قتل أبوه وهو يحمل لواء قريش في أحد . وخرجت بنو فزارة وعلى رأسها عيينة بن حصن بن حذيفة في رجال كثيرين وألف بعير . أمّا أشجع ومرّة فجاء كلّ منهما في أربعمائة محارب ، يتزعّم الحارث بن عوف مرّة ، ويتزعّم مسعر ابن رخيلة أشجع . وجاءت سليم أصحاب بئر معونة في سبعمائة رجل . واجتمع هؤلاء وانحاز إليهم بنو سعد وأسد ، فصاروا في عشرة آلاف رجل أو نحوها ، وساروا جميعا تحت إمرة أبي سفيان قاصدين المدينة . فلمّا بلغوها تداول زعماء هذه القبائل الزعامة أثناء الحرب كلّ يوما على التوالي . فزع المسلمين وحفر الخندق حول المدينة واتّصل نبأ هذا السير بمحمد والمسلمين معه في المدينة ففزعوا . ها هي ذي العرب كلها قد أجمعت أمرها لتسحقنّهم ولتقضينّ عليهم ولتستأصلنّهم . وها هي ذي قد جاءت في عدة وعديد ما لها في حروب العرب جميعا من قبل مثل . وإذا كانت قريش قد انتصرت في أحد عليهم لما خرجوا من المدينة وكانت دون هذه الأحزاب بمراحل في العدد والعدة ، فماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة الألوف المؤلّفة من رجال وخيل وإبل وأسلحة وذخيرة ؟ ! لم يكن سبيل إلى غير التحصن بيثرب العذراء ، على ما وصفها عبد اللّه بن أبيّ . ولكن أيكفي هذا التحصن أمام تلك القوّة الساحقة ؟ ! وكان سلمان الفارسي يعرف من أساليب الحرب ما لم يكن معروفا في بلاد العرب ، فأشار بحفر الخندق حول المدينة وتحصين داخلها . وسارع المسلمون إلى تنفيذ نصيحته ، فحفر الخندق وعمل فيه النبيّ عليه السلام بيديه ، فكان يرفع التراب ويشجّع المسلمين بذلك أعظم التشجيع ، ويدعوهم إلى مضاعفة الجهد . وأخذ المسلمون آلات الحفر ، من مساح وكرازين ومكاتل « 1 » من قريظة : اليهود الذين بقوا على ولائهم . وبهذا الدأب والجهد المتّصل تمّ حفر الخندق في ستة أيام . وفي هذه الأثناء كذلك حصّنت جدران المنازل التي تواجه العدو والتي بينها وبين الخندق نحو فرسخين . وعند ذلك أخليت المساكن التي ظلت فيما وراء الخندق ، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصّنت ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة لتكون سلاحا يرمى به عند الحاجة إليه . وأقبلت قريش وأحزابها وهي ترجو أن تلقى محمدا بأحد ، فلم تجد عنده أحدا . فجاوزته إلى المدينة حتى فاجأها الخندق ، فعجبت أن لم تكن تتوقّع هذا النوع من الدفاع المجهول لها . وبلغ منها الغيظ حتى زعمت أن الاحتماء وراءه جبن لا عهد للعرب به . وعسكرت قريش ومن تابعها بمجتمع الأسيال من رومة ، وعسكرت غطفان ومن اتبعها من أهل نجد بذنب نقمى . أمّا محمد فخرج في ثلاثة آلاف من المسلمين فجعل ظهره إلى هضبة سلع ، وجعل الخندق بينه وبين أعدائه ، وهناك ضرب عسكره ونصبت له خيمته الحمراء . ورأت قريش والعرب معها أن لا سبيل إلى اجتياز الخندق فاكتفت بتبادل الترامي بالنبال عدّة أيام متتابعة . وأيقن أبو سفيان والذين معه أنهم مقيمون أمام يثرب وخندقها طويلا دون أن يستطيعوا اقتحامها . وكان الوقت آنئذ شتاء قارسا برده ، عاصفة رياحه ، يخشى في كل وقت مطره . وإذا كان من اليسير أن يحتمي أهل مكة وأهل غطفان من ذلك كله بمنازلهم في مكة وفي غطفان ، فالخيام التي ضربوا أمام يثرب لا تحميهم منه فتيلا . وهم بعد قد جاؤوا يرتجون نصرا ميسورا لا يكلفهم غير يوم كيوم أحد ، ثم يعودون أدراجهم يتغنّون
--> ( 1 ) المساحي : جمع مسحاة وهي المجرفة التي يسحى بها الطين أي يجرف . والكرازين الفؤوس . واحدها كرزون وكرزين . والمكاتل : جمع مكتل ، وهو الزنبيل ( المقطف ) الذي يحمل فيه التراب وغيره .